السعيد شنوقة
68
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
واقتصادية ونزاع وشقاق كان أبرزها نظرا ومناقشة واستصدار أحكام كحكم « مرتكب الكبيرة » « 1 » . ولا غرو في أن هذا الموضوع ديني المظهر سياسي المنشأ يعود في أصله إلى حوادث : معركة الجمل وصفين اللتين دارتا في الأحقّ بالخلافة ونجم عن تطور هذا الأمر خلاف دار حول الطرف المذنب ، فوقع التباين في إطلاق الأحكام ما بين الخوارج والشيعة والمرجئة والمعتزلة . إن الخوارج أول من أثار هذه المشكلة في الفكر الإسلاميّ لا سيما بعد معركة صفين بين علي ومعاوية عند التحكيم . أكفروا الإمام عليا والحكمين أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص ، وقالوا مجمعين « إن كل كبيرة كفر » « 2 » ، بينما أخّر المرجئة الخالصة « 3 » حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة . وهم يرون أن الإيمان هو التصديق بالقلب في ثقة واطمئنان ، وأن الأعمال شيء آخر : هو فعل الجوارح ، وأن التصديق لا يزيله إتيان الكبيرة ، فالمصدق العاصي مؤمن عاص لا يجرّده عصيانه من إيمانه عندهم وسيتولى الله حسابه ، ويعدّون الخلود في النار خاصا بالكفار . أما المؤمن فإن الله يعفو عنه أو يعاقبه ويكون مصيره في النهاية الجنة « 4 » .
--> ( 1 ) كانت هذه الفكرة تعني معيار الكفر والإيمان بالنسبة إلى الخلفاء ثم امتدت لتصبح معيارا للكفر والإيمان للناس جميعا ، فارتسمت من هذا المنطلق المبادئ التي أجمعوا عليها في إكفار علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل والراضين بالتحكيم ووجوب الخروج على الحاكم الجائر والإكفار بارتكاب الكبائر . انظر ، الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 133 . ( 2 ) الأشعري ، مقالات الإسلامين ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، ج 1 ، ص ، 167 وكذا ، د . سعيد مراد ، مدرسة البصرة الاعتزالية ، ص 144 . ( 3 ) هم أربعة أصناف : مرجئة الخوارج ، والقدرية ، والجبرية ، والمرجئة الخالصة . أخذ لفظ المرجئة من معنيين : الأول للتأخير بمعنى « أرجأ » أي أخّر . والثاني للإرجاء بمعنى إعطاء الرجاء . أرجأت فلانا أي أعطيته الرجاء . ويجوز أن يؤخذ اسم ( المرجئة ) من المعنى الأول لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية وعقد القلب أو من الثاني لأنهم رأوا بأنه لا يضر مع الإيمان معصيته كما لا تنفع مع الكفر طاعة . وقيل : الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة ليوم القيامة لا يحكم عليه في الدنيا بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار . انظر البغدادي ( ت 429 ه ) ، الفرق بين الفرق ، ص 25 ، 202 وكذا الشهرستاني ( ت 548 ه ) الملل والنحل ، تحقيق أمير علي مهنا وعلي حسن فاغور ، ج 1 ، ص 161 وما بعدها . ( 4 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 229 ، 230 وكذا ، د . عبد الحليم محمود ، التفكير الفلسفي في الإسلام ، دار المعارف ، ط 2 ، ( د . ت ) ، ص 142 .